صديق الحسيني القنوجي البخاري

171

أبجد العلوم

فضله اللّه سبحانه وتعالى به من النطق وقبول تعلم الآداب والعلوم من أن يهمل نفسه ويعريها من الفضائل . وقد حث الشارع عليه السلام على اكتسابه حيث قال : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم » . وقال : « اطلبوا العلم ولو بالصين » . وقيل : اطلبوه من المهد إلى اللحد . فائدة [ ثانية : ] اعلم أن الإنسان مطبوع على التعلم لأن فكره هو سبب امتيازه عن سائر الحيوانات ، ولما كان فكره راغبا بالطبع في تحصيل ما ليس عنده من الإدراكات لزمه الرجوع إلى من سبقه بعلم فيلقن ما عنده . ثم إن فكره يتوجه إلى واحد من الحقائق ، وينظر ما يعرض له لذاته واحدا بعد واحد ويتمرن عليه حتى يصير إلحاق العوارض بتلك الحقائق ملكة له ، فيكون علمه حينئذ بما يعرض لتلك الحقيقة علما مخصوصا ، ويتشوق نفوس أهل القرن الناشئ إلى تحصيله فيفزعون إلى أهله . فائدة [ ثالثة : ] وكل تعليم وتعلم ذهني إنما يكون بعلم سابق في معلوم ، ما من عالم كمن ليس بعالم . وقد يكون بالطبع مستفادا من وقائع الزمان بتردد الأذهان ، ويسمى علما تجريبيا . وقد يكون بالبحث وإعمال الفكر ، ويسمى علما قياسيا . والعلم محصور في التصور والتصديق ، والتصور يطلب بالأقوال الشارحة ، والتصديق يكون عن مقدمات في صور القياسات للنتائج ، فقد يحصل به اليقين وقد لا يحصل به الاقناع ؛ وقدموا في التعليم ما هو أقرب تناولا ليكون سلما لغيره . وجرت سنة القدماء في التعليم مشافهة دون كتاب ، لئلا يصل العلم إلى غير مستحقه ولكثرة المشتغلين بها . فلما ضعفت الهمم أخذوا في تدوين العلوم وصنفوا ببعضها فاستعملوا الرمز واختصروا من الدلالات على الالتزام فمن عرف مقاصدهم حصل على أغراضهم . فائدة [ رابعة : ] اعلم أن جميع المعلومات إنما تعرف بالدلالة عليها بأحد الأمور الثلاثة : الإشارة ، والخط ، واللفظ . فالإشارة تتوقف على المشاهدة . واللفظ يتوقف على حضور المخاطب وسماعه . وأما الخط فلا يتوقف على شيء فهو أعمها نفعا وأشرفها ، وهو خاصة النوع الإنساني . فعلى المتعلم أن يجوده ولو بنوع منه . ولا شك أنه بالخط والقراءة ظهرت خاصة النوع الإنساني من القوة إلى الفعل ، وامتاز عن سائر الحيوانات ، وضبطت الأموال ، وحفظت العلوم والكمال ، وانتقلت الأخبار من زمان إلى زمان ، فجبلت غرائز القوابل على قبول الكتابة والقراءة . لكن السعي لتحصيل الملكة هو موقوف على الأخذ والتعلم والتمرن والتدرب . فائدة [ خامسة : ] اعلم أن العلم والنظر وجودهما بالقوة في الإنسان . فيفيد صاحبها عقلا ، لأن النفس الناطقة وخروجها من القوة إلى الفعل إنما هو بتجدد العلوم والإدراكات من